السيد محمدحسين الطباطبائي

49

الإعجاز والتحدى في القرآن الكريم

وسادسا : أن المعجزات المنقولة عن الأنبياء المنسوبة إليهم خرافات مجعولة أو حوادث محرّفة لنفع الدين وحفظ عقائد العامة عن التبدل بتحول الأعصار أو لحفظ مواقع أئمة الدين ورؤساء المذهب عن السقوط والاضمحلال إلى غير ذلك مما أبدعه قوم وتبعهم آخرون . هذه جمل ما ذكروه والنبوة بهذا المعنى لأن تسمى لعبة سياسية أولى بها من أن تسمى نبوّة إلهية ، والكلام التفصيلي في أطراف ما ذكروه خارج عن البحث المقصود في هذا المقام . والذي يمكن أن يقال فيه هاهنا أن الكتب السماوية والبيانات النبوية المأثورة على ما بأيدينا لا توافق هذا التفسير ولا تناسبه أدنى مناسبة ، وإنما دعاهم إلى هذا النوع من التفسير إخلادهم إلى الأرض وركونهم إلى مباحث المادة فاستلزموا إنكار ما وراء الطبيعة وتفسير الحقائق المتعالية عن المادة بما يسلخها عن شأنها ويعيدها إلى المادة الجامدة . وما ذكره هؤلاء هو في الحقيقة تطور جديد فيما كان يذكره آخرون فقد كانوا يفسرون جميع الحقائق المأثورة في الدين بالمادة غير أنهم كانوا يثبتون لها وجودات غائبة عن الحسّ كالعرش والكرسي واللوح والقلم والملائكة ونحوها من غير مساعدة الحسّ والتجربة على شيء من ذلك ثمّ لما اتسع نطاق العلوم الطبيعية وجرى البحث على أساس الحس والتجربة لزم الباحثين على ذلك الأسلوب أن ينكروا لهذه الحقائق وجوداتها المادية الخارجة عن الحسّ أو البعيدة عنه وأن يفسروها بما يعيدها إلى الوجود المادي المحسوس ليوافق الدين ما قطع به العلم ويستحفظ بذلك عن السقوط . فهاتان الطائفتان بين باغ وعاد ، أما القدماء من المتكلمين فقد فهموا من البيانات الدينية مقاصدها حق الفهم من غير مجاز غير أنهم رأوا أن مصاديقها جميعا أمور مادية محضة لكنها غائبة عن الحس غير محكومة بحكم المادة أصلا والواقع خلافه ، وأما المتأخرون من باحثي هذا العصر ففسروا البيانات الدينية بما أخرجوها به عن مقاصدها البيّنة الواضحة ، وطبقوها على حقائق مادية ينالها الحس وتصدقها التجربة مع أنها ليست بمقصودة ولا البيانات اللفظية تنطبق على شيء منها . والبحث الصحيح يوجب أن تفسر هذه البيانات اللفظية على ما يعطيها اللفظ في العرف واللغة